ضوء أميركي أخضر لردم الهوة بين دمشق والمسلحين الأكراد؟

أحمد إبراهيم

يقترب النظام ومسلحو أكراد سورية من ردم الهوّة بينهما، في ظلّ تأكيدات على ضوء أخضر أميركي لأحزاب كردية تدعمها واشنطن لإجراء تسوية “مريحة” مع النظام. وأكّدت مصادر مطلعة أنّ مفاوضات تُجرى لتسليم مدينة منبج للنظام، في تجاوز لاتفاق تركي أميركي حدّد خارطة طريق لهذه المدينة، في وقت يجري الحديث عن تسوية كاملة تشمل منطقة شرقي الفرات برمتها. ويحاول الأكراد السوريون التعامل مع النظام من منطلق “الواقعية السياسية”، إذ تخلّوا نهائياً عن أحلام الفدرالية والحكم الذاتي، وبدأوا بالحديث عن “اللامركزية”، في تحوّل ربما يفضي إلى تمهيد الطريق لمفاوضات تعيد النظام إلى الجانب الأهم في سورية، إذ تعدّ منطقة شرقي الفرات الأبرز من الناحية الاقتصادية حيث النفط والمياه.
وقفزت مدينة منبج السورية إلى واجهة الأحداث مع تجدّد الحديث عن مساعي النظام لإعادة السيطرة عليها، رغم وجود اتفاق تركي أميركي ينصّ على انسحاب الوحدات الكردية منها وتسليم إدارة المدينة لمجلس محلي. وبحسب مصادر محلية مطلعة تحدّثت لـ”العربي الجديد”، عقد أخيراً اجتماع في منبج ضمّ ممثلين اثنين من طرف النظام، هما مسؤولان في “حزب البعث”، إلى جانب القائد العام لـ”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) في قطاع غربي نهر الفرات، إضافة إلى قائد المجلس العسكري لمنبج التابع لـ”قسد”. كما حضر الاجتماع ممثل عن المليشيات الإيرانية يدعى جواد، وقيادي في “حزب الله” يدعى هلال، بهدف تسليم المربع الأمني في المدينة لقوات النظام. وأكّدت المصادر أنّ قوات “سورية الديمقراطية” سلّمت “سدّ تشرين” شمال شرقي حلب للنظام، الذي يستعدّ أيضاً لتسلّم الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة في منبج، على أن يتم رفع راية النظام في المدينة خلال أيام.
وتقع مدينة منبج، ذات الغالبية السكانية العربية، في ريف حلب الشمالي الشرقي، غربي نهر الفرات. وكانت قوات “سورية الديمقراطية” التي تشكّل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، انتزعت السيطرة على المدينة من تنظيم “داعش” في عام 2016، وهو ما عزّز مخاوف تركية من مساع لإنشاء إقليم كردي شمال سورية.
وكانت كل من أنقرة وواشنطن قد اتفقتا الشهر الفائت على وضع “خارطة طريق” لمستقبل مدينة منبج، يتمّ تنفيذها في غضون أقل من ستة أشهر، بحيث تنسحب “وحدات حماية الشعب” الكردية من المدينة الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات، نحو مواقع أخرى لـ”الوحدات” شرقي الفرات، ليتسلّم إدارة المدينة مجلسٌ محلي، بينما تتم إدارة شؤون المدينة الأمنية، من قبل فصيل أو فصائل يتمّ التوافق عليها بين الولايات المتحدة وتركيا. ومنذ التوصّل لاتفاق “خارطة الطريق” في منبج بين الولايات المتحدة وتركيا، سيّرَ الجانبان 14 دورية عسكرية مشتركة هناك، آخرها في الرابع عشر من شهر يوليو/تموز الحالي. وذكرت رئاسة الأركان العامة التركية أخيراً، أن قوات تركية سيّرت، بالتنسيق مع نظيرتها الأميركية، الدورية المستقلة الرابعة عشرة على طول الخط الفاصل بين منطقتي “عملية درع الفرات” ومنبج.
وبدأ تسيير الدوريات في 18 يونيو/حزيران الماضي، تطبيقاً لخارطة الطريق التي تنصّ على إخراج مقاتلي الوحدات الكردية من المدينة، وتوفير الأمن والاستقرار للمنطقة. وأعلن مجلس منبج العسكري الاثنين إتمام انسحاب الوحدات الكردية من المدينة “بعد أن أنهت مهمتها في التدريب والتأهيل العسكري لقواتنا، بالاتفاق مع التحالف الدولي”. لكنّ مصادر في الخارجية التركية قالت إن “المعلومات المتداولة عن انسحاب كامل لمقاتلي الوحدات الكردية مبالغ فيها، ومرحلة التطبيق لخارطة الطريقة لا تزال مستمرة، حيث تتواصل الانسحابات من النقاط المتواجدة على خط الدوريات المستمرة”، مضيفةً أنّ أعمال الدوريات المشتركة “لا تزال متواصلة، ولذلك فإن الحديث في هذه المرحلة عن انسحاب كامل لوحدات الحماية الكردية من منبج، أمر لا يعكس الحقيقة”.
إلى ذلك، قالت مصادر محلية في منبج لـ”العربي الجديد”، إن “لا شيء تغيّر على الأرض فعلياً، فعناصر الوحدات الكردية يسيطرون على المدينة، وعلى طرقاتها ومداخلها ومؤسساتها”، مشيرةً إلى أنّ “إعلان انسحاب الوحدات أقرب ما يكون للإعلان الإعلامي، فمجلس منبج العسكري، الذي يعتبر الجهة الأقوى على الأرض، يدين بولائه بالكامل للوحدات وقسد”.
وفي السياق ذاته، قال مصطفى سيجري، رئيس المكتب السياسي في لواء “المعتصم” التابع للمعارضة السورية في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “لا معلومات حقيقية لدينا حول انسحاب الوحدات الكردية من منبج”، مضيفاً “الكلمة الأولى والأخيرة في إدارة منبج للوحدات الكردية، والمجلس العسكري فيها عبارة عن غطاء، ولكن بدون صلاحيات”. وحول مستقبل المدينة، قال سيجري “من المبكر الحديث عنه، والأمر سيكون بالتوافق بين الجانبين التركي والأميركي”.
وفي ظلّ تجدّد الحديث عن مستقبل مدينة منبج، تظهر بوادر تحوّل سياسي كبير في الشرق السوري، مع بدء الأكراد خطوات معلنة من أجل ردم الهوّة مع النظام والتفاوض على مصير منطقة شرقي الفرات التي تسيطر عليها الوحدات الكردية تحت قناع ما يسمى “قوات سورية الديمقراطية”.
وأعلن “مجلس سورية الديمقراطية” الجناح السياسي لـ”قسد”، الإثنين، إعادة هيكلة نفسه، ليتحوّل إلى حامل لبناء سياسي يؤسّس لبديل وطني ديمقراطي سوري شامل، وتحضيراً للمفاوضات المزمعة مع النظام السوري. وأكّد المجلس في بيان صدر عنه بعد انتهاء مؤتمره الاعتيادي الثالث الذي عقد في مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي، تحت عنوان “نحو حلّ سياسي وبناء سورية لا مركزية ديمقراطية”، أنّ “خيار الحلّ السياسي عبر المفاوضات هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد”، في إشارة إلى المفاوضات مع النظام السوري. وكان المجلس أعلن في وقت سابق استعداده للمفاوضات مع النظام من دون شروط، وذلك بعد إعلان رأس النظام بشار الأسد عن احتمال اللجوء إلى القوة لفرض السيطرة على مناطق نفوذ الأكراد في سورية.
وأشار بيان المؤتمر الذي حضرته نحو 300 شخصية إلى “اعتبار القضية الوطنية أولوية استراتيجية للوصول إلى حلّ القضايا المجتمعية العالقة، بما فيها قضايا حقوق المكونات”، موضحاً أن “هذا الخيار الاستراتيجي يتمثّل بالحلّ العلماني الديمقراطي والنظام السياسي اللامركزي باعتباره شرطاً موضوعياً وسياسياً تمليه الظروف القائمة دولياً وإقليمياً ومحلياً”. وأضاف أنّ “مجلس سورية الديمقراطية” هو “المرجعية والمظلة السياسية للإدارات الذاتية والمجالس المدنية، وقوات سورية الديمقراطية، وهو المخوّل في إجراء أي عملية تفاوضية.
ومن الواضح أن المجلس أجرى مراجعات عميقة لتوجهه السياسي، حيث تخلّى نهائياً عمّا كان يطرحه في ما يتعلّق بنظام فدرالي في سورية يتيح للأكراد إقامة إقليم ذي صبغة كردية في محافظة الحسكة أقصى شمال شرقي سورية وفي مناطق في ريف الرقة الشمالي وأخرى في ريف حلب الشمالي الشرقي.
وقال مصدر مقرّب من حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي يتخذ من الوحدات الكردية ذراعاً عسكرية له، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “اختيار مدينة الطبقة مكاناً لعقد المؤتمر، رسالة واضحة أنّ المنطقة لا تزال تحت السيطرة الكاملة لقوات سورية الديمقراطية”، مضيفاً “لكن الاتصالات لم تنقطع مع النظام”. وأشار المصدر إلى أنّ قيادة الحزب “وجدت أنّ الواقعية السياسية هي الخيار الأمثل في الوقت الراهن، فاختارت اللامركزية الإدارية للوصول إلى تفاهم مع النظام”.
ورداً على سؤال يتعلّق بمستقبل المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، رأى أنّ الأخيرة “من الممكن أن تسلّم هذه المناطق للنظام في سياق تسوية ما، تضمن مكاسب سلطوية لبعض القيادات في قوات سورية الديمقراطية”، وأكّد “وجود ضوء أخضر أميركي من أجل التفاوض مع النظام”، موضحاً أنّ “واشنطن تضع ثقلها من أجل طرد الإيرانيين من سورية، وروسيا تتكفّل بذلك في حال وافق الأميركيون على إعادة تعويم النظام وهذا ما يحدث حالياً”.

العربي الجديد

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password