تدهور العلاقات مع أميركا يؤثر على الاقتصاد التركي

جلدم أتاباي شانلي

إن الأخبار السلبية الأخيرة الواردة بشأن العلاقات التركية الأميركية تجعل من الصعب تجاهل ما تعيشه تركيا من مشكلات في علاقاتها الخارجية: ففي بلد مثل تركيا يحتاج إلى تمويل خارجي كبير بقيمة 260 مليار دولار أميركي مقارنة باقتصاد بقيمة 880 مليار سنويًا تؤثر التوترات التي يعيشها في علاقاته الخارجية تأثيرًا كبيرًا وباستمرار على الاقتصاد.
ووفقا لأخبار سلبية نشرت مؤخرًا فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس تركيا العضو في حلف الناتو بتطبيق “عقوبات كبيرة” عليها في حال عدم الإفراج الفوري عن القس الأميركي الشهير أندرو برانسون الذي وضع تحت الإقامة الجبرية حاليًا.
يُشار إلى أن القس الأميركي متهم بالتجسس والإرهاب؛ حيث يُتهم بمساندته ودعمه لحركة فتح الله غولن الإسلامية وحزب العمال الكردستاني.
وبالنظر إلى تطورات القضية نجد أن ثمة اتصالات بشأن قضية أندرو برانسون دارت بين إدارة ترامب وسلطة حزب العدالة والتنمية في تركيا؛ وكانت في معظمها من خلال وسائل الإعلام. كما أن تهديدات ترامب بفرض “عقوبات كبيرة” تعني أن التوتر ما بين البلدين تحول إلى تفسخ أكبر في العلاقات التركية الأميركية بشكل ربما تكون له تأثيرات طويلة المدى.
جدير بالذكر أن رئيس الجمهورية التركي أردوغان كان يهدف طيلة فترة اعتقال القس برانسون، والتي بلغت 21 شهرًا، إلى مبادلته بالإمام التركي فتح الله غولن الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا، والحليف السابق لحزب العدالة والتنمية، والمتهم أيضًا بإدارة محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا عام 2016. ومع ذلك يتضح اليوم أن قضية برانسون تحولت من مجرد ورقة رابحة تستخدمها الحكومة التركية من أجل إعادة فتح الله غولن إلى مسؤولية كبيرة جدًا.
إن التوتر في العلاقات التركية الأميركية له جذور أعمق بعيدًا عن إطار قضية برانسون؛ مثل رغبة رئيس الجمهورية أردوغان في التقرب أكثر إلى روسيا، وعضويته في منظمة “بريكس” على حساب إضعاف علاقات العالم الغربي، ومواصلته العلاقات التجارية مع إيران، وبالطبع قرار الولايات المتحدة الأميركية دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يمثل ذراع القوة بالنسبة لأكراد سوريا والذي تؤمن أنقرة بأنه امتداد لحزب العمال الكردستاني المنظمة الإرهابية.
وفي الأسبوع الماضي قال رئيس الجمهورية أردوغان إذا كان الامتثال للعقوبات الموجهة ضد النظام القائم في إيران من شأنه أن يضر بمصالح تركيا فإن تركيا لن تفضل الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحالة.
وبينما تفشل الإدارتان الأميركية والتركية في العثور على أرضية مشتركة ونقطة توافق بشأن هذه القضايا الصعبة صدق الكونغرس الأميركي الأسبوع الماضي على مشروع قانون يمنع بيع طائرات حربية من طراز إف- 35 إلى تركيا ردًا على اعتقالها القس الأميركي برانسون وموظفي القنصلية الأميركية.
كذلك ليس من قبيل الصدفة قيام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي في 26 يوليو بتمرير المشروع الذي يقلص منح الولايات المتحدة الأميركية قروضًا مالية إلى تركيا “ما دامت الحكومة التركية لم تُنهِ عملية الاحتجاز التعسفي للمواطنين الأميركيين وموظفي القنصلية الأميركية لديها”.
مشروع القانون يقيد تركيا من الحصول على كافة القروض الائتمانية، باستثناء المساعدات الإنسانية، التي يمنحها البنك الدولي والبنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية “ما دامت تركيا لم تضع حدًا للاعتقال التعسفي لمواطني الولايات المتحدة الأميركية (بما في ذلك المواطنون مزدوجو الجنسية) وموظفي القنصلية الأميركية أو ما دامت تنكر حقهم في حرية التجول والتحرك”.
وبشأن قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الصاروخية طراز إس- 400 من روسيا، والتي لا تتوافق مع أنظمة الناتو، هددت الولايات المتحدة الأميركية بأنه في حال إتمام عملية البيع قد يتم تطبيق سلسلة من العقوبات الاقتصادية الأخرى لم يتم إدراجها في القائمة بعد. وكما ورد في وسائل الإعلام فإنه من المؤكد تقريبًا أن الكونغرس الأميركي سوف يجمد عملية بيع الطائرات الحربية طراز إف-35 إلى تركيا إلى أن تتخلى عن شراء منظومة الصواريخ إس- 400 من روسيا، بالرغم من مواصلة الجانب التركي إجراء المحادثات لشراء صواريخ باتريوت من الولايات المتحدة الأميركية.
وبالإضافة إلى تدفق الأخبار السلبية بشأن العلاقات التركية الأميركية يتوقع أيضًا فرض عقوبة مالية تبلغ حوالي 10-11 مليار دولار أميركي على “بنك خلق” التركي الذي تديره الدولة ويقوم بتنفيذ عمليات تجارية مع إيران قبل الاتفاق النووي الذي كانت وقعته إدارة الرئيس الأميركي أوباما.
وجدير بالذكر أن برانسون الذي أجلت جلسته التالية إلى شهر أكتوبر المقابل ربما تتم تبرئته، ولكنه سيكون من الصعب للغاية نسيان التأثيرات السلبية لتلك التصريحات الأميركية القاسية التي تم الإدلاء بها بشأن العقوبات.
وبالعودة إلى الاقتصاد فإن بيانات البتك المركزي لهذا الأسبوع تشير إلى أن الأجانب يهربون من تركيا شيئًا فشيئًا. وقد بلغ الحجم الصافي لمبيعات المستثمرين الأجانب في سوق الأوراق المالية 210 مليون دولار، و256 مليون دولار في سوق السندات خلال الأسبوع الممتد من 13-20 يوليو. وتظهر التدفقات عند 52 أسبوعًا أن واردات سوق السندات في نفس الفترة انخفض من 3.6 مليار دولار إلى 1.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
ومن المحتمل أن تصل نسبة الزيادة المتوقعة في تضخم أسعار المستهلك إلى مستوى 18-20 في المائة في الأشهر المقبلة، وذلك بسبب قرار البنك المركزي تثبيت سعر الفائدة عند مستوى 17.75 في المائة في مقابل دعوة السوق بزيادة بمقدار 100-150 نقطة أساس.
وهذا سوف يسهم في انخفاض قيمة الليرة التركية. وخلال مكاتبات قمة دول العشرين عزز بيرات البيرق قيصر الاقتصاد الذي تم تعيينه حديثًا من الآمال حول إدارة الاقتصاد التركي بعقلانية في فترة حزب العدالة والتنمية الجديدة؛ وقد تم تفسير قرار البنك المركزي بتعليق سعر الفائدة على أنه سيطر على السياسة النقدية، كما ورد في تصريحات أردوغان التي هزت الأسواق قبل انتخابات 24 يونيو.
إن تركيا تحتاج إلى تمويل خارجي للقطاع الخاص كي تحول دون غرقه تمامًا حيث يعاني من الالتزامات الثقيلة للديون الخارجية.
وتحتاج حكومة حزب العدالة والتنمية إلى الحفاظ على تدفق قوي حتى تتمكن من إنقاذ بنوكها من الغرق إلى جانب شركات القطاع الخاص المشغولة بمحاولات إعادة هيكلة دينها البالغ 24 مليار دولار مع ارتفاع نسب الفائدة الحالية.
وإذا ما وُضع في الاعتبار إمكانية أن تتحول العلاقات المتعثرة مع الولايات المتحدة الأميركية إلى عقوبات اقتصادية فإن هذا يعني أن مصادر التمويل الخارجي للبلاد مثل روسيا أو إيران سوف تبتعد أكثر عن تركيا.
وإن لم يتراجع أردوغان تراجعًا حادًا عن موقفه الحالي بشأن القضايا التي تثير قلق حكومة الولايات المتحدة الأميركية فإن التباطؤ الاقتصادي المتوقع قد يتحول إلى أزمة شاملة وبسرعة مفاجئة، وذلك لأن تدفقات التمويلات في الأسواق الناشئة قد جفت بسبب ارتفاع أسعار الفائدة من قبل البنك الفيدرالي.
والآن فإن السياسات النقدية وعمليات رفع أسعار الفائدة يستحيل أن تكون علاجًا للاضطرابات الحادثة في الاقتصاد التركي. ولهذا السبب فإن الأمل الوحيد المتبقي لتركيا من مساعيها لإيجاد حل هو “الخطة المالية المتوسطة الأجل” المتوقع إعدادها في 18 أغسطس. والمسؤول عن محتواها هو أيضًا بيرات البيرق وزير الخزانة والمالية وصهر أردوغان في الوقت نفسه.
فهل يمكن لهذه الخطة أن تمكن الاقتصاد التركي من التعافي وتنقذه من التآكل عبر تطبيقها برنامج تقشف قوي وموثوق من أجل أن ترتفع نسبة عجز الميزانية إلى 3.0 في المائة إلى الناتج المحلي، ويظهر معدل التضخم يصل إلى 20.0 في المائة؟
ومع الرغبة في تحقيق أداء نمو قوي للغاية من خلال تجاهل الانتخابات المحلية في مارس 2019 والاضطرابات الكلية التي تسبب فيها الرئيس أردوغان؛ فهل ينبغي النظر إلى تدابير التقشف التي تحدث عنها البيرق على أنها مجرد محاولة، أم أنها كي تمتلك تركيا أرضية تمكنها من أن تحدد بدقة مسارها ووجهتها كاملة؟
وإلا فإن الاقتصاد التركي قد يجد نفسه، حال انفجار أزمة أخرى في العملات الصعبة، غارقًا في دوامة اقتصادية كلية أكبر وأشد فتكًا.

عن أحوال تركية

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password