إلى أي مستوى انحدرت العلاقات التركية الأميركية

لزنيوز – أسفر قرار الولايات المتحدة بفرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين بشأن استمرار احتجاز القس الأميركي أندرو برانسون عن شجب وتهديدات بالرد من قبل أنقرة، وأعقب ثلاثة أعوام تقريبا من التوتر المتواصل في العلاقات بين الحليفين القديمين.
وردت تركيا بعقوبات على مسؤولين أميركيين، واتهمت الرئيس الأميركي دونالد ترامب “بتعريض العلاقات التركية-الأميركية والصداقة التركية-الأميركية للخطر عبر قضية صغيرة للغاية”.
وزاد ذلك من تكهنات انتشرت في السنوات الأخيرة ترى أن علاقات تركيا بالولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) قد تتضرر بشكل يتعذر إصلاحه.
ونشب الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة منذ عام 2014 بشأن دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية السورية التي تراها أنقرة منظمة إرهابية. ودعمت واشنطن الوحدات في قتالها تنظيم الدولة الإسلامية.
وزاد من توتر العلاقات رفض الولايات المتحدة تسليم أنقرة رجل الدين التركي فتح الله غولن الذي تتهمه الحكومة التركية بتدبير الانقلاب الفاشل في 15يوليو 2016.
وقد عبرت واشنطن أيضا عن استيائها من تقدم أنقرة بطلب لموسكو لشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400 إذ تعتقد الولايات المتحدة أن ذلك قد يقوض تكامل العتاد العسكري التركي مع عتاد جيوش حلف الأطلسي.
وفيما يخص شراء تركيا الطائرة الأميركية الجديدة إف-35، جادل كثير من أعضاء الكونغرس الأميركي بأنه ينبغي لواشنطن التراجع عن تنفيذ الصفقة في ضوء صفقة أنقرة مع موسكو الخاصة بمنظومة الدفاع الصاروخي إس-400.
وعرضت الولايات المتحدة أيضا أن تبيع لتركيا منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي وهي منظومة لا تريدها أنقرة كبديل لمنظومة إس-400 لكنها قالت إنها قد تشتريها إضافة إلى إس-400 خاصة وأن واشنطن لا ترغب في نقل التكنولوجيا التي تسعها إليها الحكومة التركية.
ورغم هذا كله، فإن وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس أكد أن الصفقة ستمضي قدما، وحث الكونغرس على عدم تعطيلها.
وأيضا، رغم التهديد بشأن دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية منذ قرابة خمسة أعوام، إلا أن أنقرة لم تغلق قاعدة إنجرليك الجوية الواقعة بإقليم أضنة، وهي أداة استراتيجية مهمة يستخدمها التحالف لشن ضربات جوية ضد داعش منذ فتحه أمام التحالف في يوليو عام 2015.
علاوة على ذلك، توصلت أنقرة وواشنطن في هذا الصيف إلى اتفاق بشأن وضع مدينة منبج السورية، وهي مدينة يسكنها العرب سيطرت عليها الوحدات بعدما طردت داعش منها في عام 2016.
وسهلت الولايات المتحدة عملية انسحاب الوحدات من تلك البؤرة الحضرية الساخنة وذلك بعدما تعهدت لأنقرة عشية هجوم منبج في مايو 2015 بأن القوات الكردية لن تبقى بالمدينة بعد طرد داعش. وبدأ الطرفان في تنفيذ سلسلة من الدوريات بالمنطقة في يونيو الماضي.
وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن خارطة الطريق هذه بين أنقرة وواشنطن لن تتأثر بالخلاف الأخير بشأن العقوبات.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن اجتماعه مع نظيره الأميركي مايك بومبيو بعد فرض العقوبات كان “بناء للغاية”.
وقال وزير الخزانة والمالية التركي بيرات البيرق إنه توجد “رغبة قوية” من كلا الطرفين لحل الأزمة الحالية.
وقال إنه رغم الخلافات الحالية “إلا أن الحبل لن يقطع أبدا” عندما يتعلق الأمر بالعلاقة طويلة الأجل.
وشبه البيرق العلاقة بالعلاقات الأسرية مثل “الأزواج والزوجات الذين يتزوجون لمدة 40 عاما ولا يمكن أن يتفقوا على كل شيء”.
وقال “يتجادلون مع بعضهم البعض في بعض الأحيان لكنهم يصلون إلى اتفاق في النهاية”.
والخلافات الأساسية مستمرة. ويقول مايكل فيرز الباحث في مركز التقدم الأميركي (سنتر فور أميركان بروجريس) “ربما يكون الوقت قد حان أمام صانعي السياسة الأميركيين لكي يشرعوا في التفكير بشكل مختلف بشأن تركيا التي بدأت تشبه السعودية أكثر من كونها شريك ديمقراطي في حلف الناتو”.
وأبلغ فيرز “أحوال تركية” “أن واشنطن قد لا تجد خيارا سوى القبول بالواقع الجديد. ومع ذلك، فإن هذا التغير في الرؤية – من النظر لتركيا باعتبارها حليف ديمقراطي إلى النظر إليها باعتبارها دولة متسلطة مهمة للسياسة الخارجية الأميركية- سيكون له بالقطع تداعيات على جودة واستمرار العلاقات الثنائية”.
وقال فيرز “في الأساس، فإن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تشعر بحرج من ممارسة نفوذها للتأثير على تركيا”.
وأضاف “من الصعب توقع إلى أي مدى سيذهب الانحراف الاستبدادي التركي، والنزعة القومية المعادية الغرب. سيكون من الأفضل للولايات المتحدة والدول الديمقراطية الحليفة في حلف الأطلسي البدء في عزل أنظمتها الأمنية المشتركة انطلاقا من أسوأ سيناريو محتمل”.
وأضاف “يجب أن يكون هذا النهج قابلا للتكرار والعدول عنه وذلك بناء على تصرفات تركيا، لكن ينبغي البدء فيه الآن”.
وسبق للولايات المتحدة أن فرضت حظرا على تصدير السلاح إلى تركيا عقب غزو أنقرة لشمال قبرص في عام 1974 لكنها رفعته في عام 1978.
ورغم قرار تركيا بإغلاق المنشآت العسكرية الأميركية على أراضيها خلال تلك الفترة، إلا أنها أبقت على المنشآت الخاصة بحلف الأطلسي خاصة قاعدة إنجيرليك. ولم يتضح إلى الآن هل سيكون اليوم أشبه بالأمس.
وقال آرون ستاين الباحث بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في تصريح لـ “أحوال تركية” “إنها مياه لم يجر اختبارها. الأمر يختلف عن قبرص لأن ديناميكيات العلاقة تغيرت”. ومركز رفيق الحريري جزء من المجلس الأطلنطي، وهو مؤسسة بحثية يقع مقرها في واشنطن.
وقال ستاين “تركيا لا تعتمد على واشنطن بنفس القدر الذي كانت عليه في السابق، ومع ذلك فليس أمامها أي تحالف آخر تتحول إليه دون أن تقوض قوتها الخاصة. الموقف مختلف تماما”.
كانت تركيا انضمت لحلف الأطلسي وللمعسكر الغربي خلال الحرب الباردة وبالتحديد في عام 1952 عقب محاولات الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين إجبار أنقرة على التنازل عن أجزاء من الأناضول للاتحاد السوفيتي، ومنح موسكو قاعدة عند مضيق الدردنيل الاستراتيجي.
وبعد توليه السلطة، اتهم الزعيم السوفييتي نيكيتا خورتشوف سلفه ستالين علنا بأنه دفع الجمهورية التركية للارتماء في أحضان الغرب بانتهاجه تلك السياسة العدائية غير الناجحة ضد بلد لم يدخل في صدام فعلي مع موسكو لعقود.
وليس بالضرورة أن تجبر الخلافات الحالية مع واشنطن الحكومة التركية إلى التقرب أكثر إلى روسيا على حساب الولايات المتحدة وحلف الأطلسي.
وقال تيمور أخميتوف الباحث المقيم بتركيا في مجلس العلاقات الخارجية الروسي في تصريح لـ “أحوال تركية” “ينبغي للمرء أن ينظر للعلاقات الثنائية حسب وضعها الافتراضي وهو أنه لا تركيا ولا الولايات المتحدة تهتمان أو ترغبان في تفكك العلاقات بالكامل”.
وأضاف “النقاشات اليوم هي في الأساس نتيجة رغبة تركيا في إعادة تعريف علاقتها وتحالفها مع الغرب وأن يظل ذلك جزءا من ترتيباتها الأمنية”.
وقال أخميتوف إن تركيا ترغب “في المزيد من حرية التحرك وحصانة من الانتقادات والتجاوزات الغربية عندما تضطر للتصرف ضد المصالح الأميركية في إطار سعيها وراء مصالحها القومية الخاصة مثل حماية الأمن القومي في ضوء تهديدات الجماعات الإرهابية”.
وقال أخميتوف أيضا إن الخلاف الأخير ليس فقط بشأن تركيا ولكن بشأن “تحديد قواعد جديدة للتعاون داخل النظام العالمي متعدد الأقطاب”.
وأوضح “أعتقد أن الطرفين مهتمان بالتعامل مع هذا التحول دون تعريض العلاقات للخطر خاصة في منطقة تشهد تعاونا أمنيا عسكريا. وفي هذا السياق، من المهم تقييم الموقف الروسي بشأن هذه العمليات بجدية”.
وقال أخميتوف “إن روسيا لا ترغب في إعادة تحويل تركيا لنفسها لكنها ترغب في توفير خيارات بديلة في الجغرافيا السياسية، ورعاية مراكز قوى يمكن أن تستقل بذاتها بعيدا عن الولايات المتحدة. إن روسيا تعيش في عالم متعدد الأقطاب تروج له”.
المصدر: أحوال تركيا

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password