الخلل ليس في تركيا بل في أيديولوجيا أردوغان

أرغون باب هان

تعيش تركيا واحدة أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، لكن رئيسها رجب طيب أردوغان لا يكف عن نفي هذه الحقيقة ويرفض اتخاذ ما يلزم من إجراءات.

يتفق الخبراء على أن الإدارة التركية بحاجة لرفع أسعار الفائدة، واتخاذ إجراءات متاحة بالفعل لتحقيق توازن في ميزان المدفوعات الحالي وتقليص نفقات الهيئات العامة من أجل سد العجز في الموازنة.

لكن المبدأ الذي تدار به الميزانية في تركيا اليوم يتلخص في كلمتين لا ثالث لهما: لا فعل.

يسعى وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق جاهدا لإقناع المستثمرين بأن إدارة أردوغان تسيطر تماما على المشكلة، لكن سعيه بلا جدوى. ويحاول الرجل كذلك إقناع خبراء الاقتصاد بالثقة في رؤيته.

ويقول البيرق إن الإدارة ستعمل على ضبط الميزانية، لكنه يعجز عن تقديم شرح لما سيتم عمله.

لا يشعر المستثمرون بالارتياح لأن تركيا في ظل النظام الرئاسي الجديد لا توجد بها مؤسسات كالبرلمان أو جهاز المحاسبة على سبيل المثال من أجل الإشراف على الميزانية التي تضعها الحكومة.

فالدستور الجديد أنشأ نظاما رئاسيا تنفيذيا لا حسيب فيه ولا رقيب.

أول ضحايا هذا التحول في تركيا من الديمقراطية النيابية إلى نظام الرجل الواحد هي حقوق الإنسان. ولحق به الاقتصاد سريعا.

ففي عقيدة الإسلام السياسي الذي يرفض فيه الحاكم الفرد رفع حقوق الإنسان، تجد أن البلد بأسره يعاني ويجد نفسه مضطرا للتشبث بالأمل أن تنجح المليارات التي قدمتها قطر لتركيا في إنقاذ الاقتصاد.

يُجمع الخبراء على أن تركيا ستضطر في النهاية لطرق أبواب صندوق النقد الدولي. ومن شأن التأخر في سلك هذا الطريق زيادة التكلفة التي ستضطر تركيا لدفعها لإعادة التوازن إلى اقتصادها.

لكن ليس هذا إلا جانبا واحدا من القصة.

فالجانب الآخر من الحقيقة هي أن صندوق النقد الدولي لن يقدم لتركيا قرشا واحدا ما لم تتوفر ضمانات باستقلال مؤسسات الاقتصاد التركي، وأهمها على الإطلاق هو البنك المركزي.

ويحذر خبراء من أن أردوغان قد يتخذ إجراءات متعجلة دون حساب لإنقاذ إدارته، ومن أن تركيا ربما تجد نفسها سائرة في طريق سلكته من قبل أنظمة شعبوية في أميركا اللاتينية.

وقال الخبير الاقتصادي الهولندي إس.جيه.جي فان فينبرجن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) “أعرف من خبرتي في البنك الدولي أن جميع الأنظمة الاستبدادية تظهر لبعض الوقت وكأنها تؤدي بشكل جيد.”

وقال المسؤول السابق بالبنك الدولي إن دولا في أميركا اللاتينية قامت بتمويل الاقتصاد من خلال الاقتراض الخارجي أيضا، لكن حين تلا ذلك فرار رؤوس الأموال، لجأ القادة إلى “اتخاذ إجراءات غريبة لإنقاذ أنظمتهم.”

وذكّر فان فينبرجن بقرار الأرجنتين عام 2008 مصادرة أموال صناديق التقاعد وحذر من أن أردوغان ربما يقوم بإجراء شبيه.

وبعد الأزمة المالية التي ضربت تركيا عام 2001، لجأ كمال ديرفيش الذي أشرف على الاقتصاد خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي إلى منح أولوية لإنشاء مؤسسات ومجالس مستقلة.

لكن إدارات أردوغان مستمرة منذ تولت الحكم ليس فقط في نزع استقلالية هذه المؤسسات، بل لجأت إلى إغلاق بعضها.

والآن نجد استقلالية البنك المركزي والمصداقية المفترضة فيه كمؤسسة حيوية في قلب الأزمة الاقتصادية.

هذه هي الصورة اليوم ببساطة. فلقد تسبب أردوغان في عداء شخصي مع الغرب ولن تسمح له تصرفاته الهوجاء بتسليم النظام الذي قام بإنشائه إلى صندوق النقد الدولي.

وإن جاء يوم لم يعد يتوفر لديه من خيار سوى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، فإن الثمن الذي ستضطر البلاد والمجتمع لدفعه سيكون – بكل أسف – أكبر بكثير.

الاقتصاد الأوروبي أيضا لن يكون مستعدا لتقديم مساعدة مالية إلى تركيا تحت هذه الظروف. وقال يورجن هاردت عضو الحزب الذي تنتمي إليه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إن على أردوغان تلبية مطالب ألمانيا لكي يتسنى له الحصول على مساعدة مالية.

وقال هاردت في مقابلة مع صحيفة (راينشه بوست) “الأسباب الأساسية للأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها تركيا هي البيانات العبثة التي يصدرها أردوغان بلا طائل بخصوص استقلال البنك المركزي وسيادة القانون.”

وأضاف “أي أموال ستنفقها ألمانيا على الاقتصاد التركي ستكون بلا طائل، ما لم يتم حل المشاكل الكامنة التي يعاني منها اقتصاد هذا البلد.”

وتابع “سندرس تقديم مساعدة إذا قامت الحكومة التركية بتغيير طريقة تعاملها”، مضيفا أن استقرار تركيا اقتصاديا وسياسيا سيكون في مصلحة ألمانيا.

وبما أنها مطالب منطقية، فالأرجح أن أنقرة لن تلبيها. فلا أردوغان ولا حزبه الحاكم على استعداد للتخلي عن النظام الاستبدادي الفاشي الذي عكفا على صنعه بعناية، لكن النتيجة المحتومة لمثل هذا النظام هو انهيار هائل، وهو واقع لا محالة.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password