الطريق المظلم للإقتصاد التركي بعد 40 يوماً من الحكم الرئاسي

جان تيومان

مضى 40 يومًا منذ تشكيل أول حكومة رئاسية في تركيا، ولكن الغموض لا يزال مسيطرًا على اتجاه السياسات الاقتصادية للبلاد. ولا سيما السياسة النقدية، أي إن الطريق الذي ستسلكه سلطة أردوغان فيما يتعلق بأسعار الفائدة يبدو مظلمًا تمامًا؛ حيث أن هناك عنادًا في منح السوق أسعار الفائدة التي يريدها؛ وذلك على حساب زيادة سعر صرف الدولار. غير أنه لا يمكن تمامًا السيطرة على الوضع عبر رفع سعر الفائدة بنسبة 1.5 نقطة سرًا.

ومن ناحية أخرى فإن السياسات المالية تبدو أكثر وضوحًا من الناحية النظرية مقارنة بسعر الفائدة. وعلى الرغم من أن الإجابات التي أدلى بها بيرات البيرق -صهر أردوغان الذي جاء به على رأس حقيبة الاقتصاد-عما وجه إليه من أسئلة بشأن أسعار الفائدة كانت إجاباته غير مؤكدة وغامضة، إلا أنه تصرف بشفافية أكثر بشأن السياسة المالية التي تركز على توازن الميزانية.
ويركز البيرق على النفقات بشكل خاص، ويؤكد على أنه سوف يحافظ على عجز الميزانية عند مستوى 65 مليار ليرة تركية في نهاية العام عبر إجرائه تخفيضات كبيرة في الشؤون المالية للدولة، ولا سيما في بند الإنفاق المالي (حوالي 35 مليار ليرة تركية في النصف الثاني من العام حسبما ذكر في أحد الاجتماعات).
إن إصرار البيرق على هذا يمثل ضرورة من ضرورات مبدأ الميزانية القوية الذي كرره رجب طيب أردوغان منذ توليه السلطة وحتى اليوم، وقدمه كواحدة من أكبر الاوراق الرابحة خلال أزمات السوق. ويمثل هذا الإصرار في الوقت نفسه قوة دفاع منطقي وعقلاني في مواجهة مفهوم العجز المزدوج الذي يخلق الأزمة. ذلك أن سلامة ميزانية الدولة وقوتها تمثل نقطة أساسية يعتمد عليها أردوغان ومؤيدوه فيما يتعلق بالحرب الاقتصادية التي يتحدثون عن تعرضهم لها في الأيام الراهنة.
علاوة على ذلك فإن الأمر يتعلق بالسيطرة الشديدة التي يفرضها حزب العدالة والتنمية على تركيا ذات الـــ 80 مليون نسمة. وبعبارة أبسط يحصل ما يقرب من 20 مليون شخص في تركيا على مساعدات اجتماعية من قبل الدولة، واستمرار هذه المساعدات التي تم تحويلها إلى أصوات في الانتخابات.
وعلى الرغم من حقيقة أن توازن الميزانية مهم للغاية إلا أن بيانات الميزانية التي أعلنت قبل عطلة العيد الطويلة لم تجذب الكثير من الاهتمام حتى في داخل عالم الاقتصاد. في حين أن مبدأ “ميزانية قوية، دولة قوية” الذي يرفعه حزب العدالة والتنمية يكشف على الأقل عن وجود انهيار في أساس الميزانية.
ووفقًا للأرقام المعلنة في 15 أغسطس فإن ميزانية الدولة قد أعطت فائضًا قدره 1.1 مليار ليرة تركية، في حين كان العجز لمدة سبعة أشهر 45 مليار ليرة تركية. لكن حذارِ من أن تنخدعوا بهذا؛ ذلك أن البنود التي سنعرض التفاصيل المتعلقة بها بعد قليل تشير إلى أن مستوى الأداء الذي تحقق في شهر يوليو كان عابرًا ومؤقتًا.
فعند النظر إلى المشهد بشكل عام يظهر أن الدولة التركية دفعت أجورًا للموظفين أكثر بكثير من المتوقع وواجهت نفقات أسعار الفائدة تأثرًا بأزمة السوق ومعدل التضخم الذي تزايد في شهر يوليو، ولهذا السبب فإنه لا يمكن تخفيض النفقات التي في الميزانية بالمستوى المطلوب.
بالإضافة إلى ذلك يشير الركود الناجم عن صدمة الدولار وأسعار الفائدة إلى حدوث انهيار كبير في بنود الضرائب الرئيسية في الدولة. ولا سيما أن الانخفاض الذي حدث في إيرادات الضرائب المحصلة عن النفقات سوف يؤثر تأثيرًا حادًا وشديدًا على الضرائب التي تؤخذ عن الدخل في العام المقبل نظرًا لأنه سيؤثر على أرباح الشركات.
هذه البيانات تشير إلى إدخال تركيا في أزمة ميزانية طويلة الأجل. بل وقد يعود هذا الحال بتركيا إلى سنوات التسعينيات من القرن الماضي عندما سعت الخزانة إلى الاقتراض من الأسواق على نحو متزايد، مما خلق لها أزمة في نهاية المطاف.
وبالنظر إلى الأرقام فقد بلغت نسبة الإنفاق في الميزانية 460.4 مليار ليرة تركية بنهاية شهر يوليو. وهذا يعني نموًا بنسبة 22.5 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. أما بالنسبة لإجمالي نفقات الدولة فقد بلغ 418.4 مليار ليرة تركية باستثناء أسعار الفائدة وكان معدل النمو السنوي في هذا الرقم أيضًا ما قيمته 21.9 في المائة.
وقد ارتفع كل منهما بمعدلٍ أسرع مرتين تقريبًا من متوسط معدل النمو المتوقع في بداية العام. غير أنه من الضروري القول إن معدل الزيادة في تلك النفقات قد ارتفع بنسبة 17.8 و14.8 في المائة على الترتيب على أساسٍ شهري مقارنة بالعام الماضي، تحت تأثير تدابير وإجراءات التوفير التي تم اتخاذها في شهر يوليو.
وتسببت تلك التدابير في حدوث تباطؤ في زيادة النفقات. ومع ذلك لا يزال هناك نمو يتجاوز بكثير التوقعات التي كانت في بداية العام. ولا سيما أن ارتفاع الزيادات التي تحتم الضرورة منحها إلى العمال بسبب تزايد ارتفاع معدل التضخم تجعل من تطبيق الدولة حِمَية الشُّحِّ في الإنفاق أمرًا صعبًا.
كذلك نما الإنفاق على الموظفين، وهو بند النفقات الرئيسي في الميزانية الأولية، بنسبة 27.2 في المائة على أساس شهري في شهر يوليو مقارنة بمتوسط معدل نمو سنوي قدره 12.9 في المائة. أما معدل الزيادة في الأشهر السبعة الأولى فقد وصل إلى 21.4 في المائة.
أما فيما يتعلق بنفقات الميزانية في جانب سعر الفائدة فليست هناك أية صورة مبشرة ولا مطمئنة. وقد كان من المتوقع هذا العام أن تزداد نفقات الفائدة بنسبة 26.4 في المائة بسبب تزايد ارتفاع معدل التضخم وزيادة الاقتراض، وتأثرًا بزيادة الفائدة في الأعوام الماضية.
وعلى الرغم من هذه الميزانية السخية إلا أن الزيادةَ التي تحققت في نفقات الفائدة في شهر يوليو تأثرًا بأسعار الفائدة للخزانة التي بلغت رقمًا قياسيًا للسنوات الــ 13 الماضية في تركيا قد بلغت 42 في المائة. والنقطة التي وصلت إليها معدلات أسعار الفائدة تعزز من التوقعات التي تشير إلى أن هذه النفقات ستوف تزداد زيادة غير عادية خلال الأشهر المقبلة، وأن أسعار الفائدة ستصبح وَرَمًا يتزايد حجمه داخل الميزانية بعد سنوات عديدة.
يبدو أن إجمالي الإيرادات الضريبية قد ارتفع بنسبة 19.5 في المائة في الأشهر السبعة الأولى، وبنسبة 18 في المائة في شهر يوليو. وبطبيعة الحال هذا مجرد احتيال وخدعة نتجت عن النمو الرقمي للضرائب المفروضة أثناء دخول البضائع المستوردة إلى تركيا نتيجة لارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية. وكان من المتوقع أن ترتفع الضرائب على الواردات بنسبة 8.3 في المائة هذا العام لتصل إلى 122 مليار ليرة تركية. ومع ذلك فإن ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية، وكذلك الضرائب المفروضة بسبب نمو الواردات قد كشفت عن تحقق نمو بنسبة 52 في المائة في شهر يوليو. وبذلك بلغ النمو في الأشهر السبعة الأولى 28.7 في المائة.
ومع ذلك، فإنه وعلى الرغم من الزيادة السريعة في الإيرادات الضريبية التي يتم تحصيلها من الواردات، إلا أن هناك انخفاضًا سريعًا في الضرائب التي يتم جمعها من السوق الداخلية. وقد تراجع النمو السنوي في الضرائب على السلع والخدمات في الميزانية المحلية إلى 0.4 في المائة في شهر يوليو. وانخفض إجمالي ضريبة القيمة المضافة المفروضة في الداخل بنسبة 9.4 في المائة.
وهناك تأثير لدعم الضريبة في الوقود على الانكماش وتقلص الحجم. فالزيادات الجديدة التي تم فرضها على البنزين والسولار، وإن كانت ستعوض قسمًا من ذلك، إلا أنه لا يزال هناك دعم كبير. كما أن الأداء في إجمالي الإيرادات الضريبية يظهر أن الانخفاض في الضرائب يرجع إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في العديد من المجالات.
وعلى سبيل المثال فإنه يلاحظ أن الضريبة على مبيعات السيارات قد انخفضت بنسبة 29 في المائة في شهر يوليو. وهذا أيضًا يتماشى مع الأرقام التي أعلنها المسؤولون في قطاع تجارة السيارات بشأن الخسارة في المبيعات في الأسواق.
إن أسوأ ما في الأمر أن هذا مجرد بداية، فنظرًا لأن الضرائب التي تؤخذ في السوق المحلية تحصل من التجارة اليومية فقد تتسبب في ضياع فوري للدخل، إلى جانب أنها تؤثر على الإيرادات وضريبة المؤسسات أيضًا في العام القادم. وإنها لحقيقة أن مثل هذا الانكماش في السوق سيؤثر على أرباح الشركات، وبالتالي على دخول الأفراد، وكذلك على الضرائب التي ستحصلها الدولة.
وتشير الأرقام إلى أن الميزانية شهدت تدهورًا كبيرًا في شهر يوليو. وأن الدولة لا تستطيع ترشيد نفقاتها بما يتناسب مع وارداتها. أما الحل المتوقع على المدى القصير فهو شيء تقليدي: إنه اقتراض الدولة أكثر وزيادات ضريبية جديدة.

عن أحوال تركية

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password